حياتنا

الرموز التعبيرية «الإيموجي» لغة تهدد العلاقات الاجتماعية

تحقيق: أميرالسني

لجأ كثير من مستخدمي مواقع التواصل، إلى استخدام «الرموز التعبيرية»، خلال تواصلهم مع الآخرين، بدلاً من الكلمات، وصار كثير من مستقبلي الرسائل الإلكترونية، يواجهون صعوبة في فهم مغزى المرسِل، وأحياناً قد يكون الرمز التعبيري، مدخلاً للتحرش والإيحاءات الجنسية التي تُدخل صاحبها دائرة الاتهام.

قانونيون واجتماعيون، يؤكدون ضرورة أن توجّه الرموز التعبيرية في مكانها الصحيح، وأن تقابل الرمز كلمة مغزاها واضح، وأن يكون هنالك دور توعوي للأسرة والمجتمع، بإدراك المفاهيم الصحيحة لتلك الرموز، وتحذير الأطفال من الإكثار في استخدامها، وخطورتها على الجيل الجديد في فقدان الكتابة باللغة العربية.

شرعية المحتوى

توضح المحامية عائشة البنّاي، أن استخدام الرموز والوجوه التعبيرية، عبر مواقع التواصل المختلفة، أصبح أمراً معتاداً في المجتمع. كما أصبح الكثير من الأفراد يستخدمون تلك الرموز للتعبير، بدلاً من العبارات، وأصبح لها دور كبير في التواصل، ومن هنا وفي ظل تجريم بعض الدول الرموز والوجوه التعبيرية، فقد التبس ذلك الأمر على بعضهم، وتبادر إلى أذهانهم بأن استخدام تلك الرموز يشكل جريمة، وفقاً للقانون الإماراتي. لكن المشرّع الإماراتي لم يجرّم تلك الرموز، ولا يوجد في القانون الإماراتي نصّ صريح في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بتجريم تلك الرموز أو الوجوه التعبيرية، فالرمز بحد ذاته لا يشكل أي جريمة، إلّا إذا جاء في سياق أو عبارة يفهم منها بأنها تهديد أو سبّ أو تحرّش، أو ما إلى ذلك.

1

فهنا نكون أمام جريمة محققه يعاقب عليها القانون الإماراتي، لأن الرمز اقترن بمحتوى أو حديث يقوده إلى التجريم. وعلى سبيل المثال في تفسير ذلك قد تستخدم الرموز تعبيرا عن حالة من الشكر والامتنان، وهنا لا نكون أمام جريمة لذلك الرمز، أما إذا جاء استخدام ذلك الرمز بعد محتوى، يفهم منه أن هناك تهديد أو توعّد أو إساءة، فهنا يكون الشخص أمام جريمة وتحت المساءلة القانونية.

دائرة الاتهام

ويشير المحامي يوسف البحر، الى أن صفحات مواقع التواصل، ومختلف التطبيقات الإلكترونية وما يدور فيها ليست فوق القانون، وإنما هي تحت طائلة المسؤولية القانونية، وهذا الأمر يستدعي من الجميع أن يتعاملوا بمسؤولية شديدة، في ما ينشر أو يكتب أو يستخدم من رموز، خاصة إذا كان ما ينشره فيه تعدّ أو تجريح أو اعتداء على خصوصية الآخرين، أو يحتوي عبارات سبّ أو قذف أو غيرها.

1

يوسف البحر المحامي

وأضاف أن دولة الإمارات منذ عام 2012، حرصت كل الحرص على منع استخدام المواقع والتطبيقات في تجريح الآخرين أو الاعتداء عليهم، أو سبّهم. ووضعت قانوناً خاصاً ينظم استخدام التطبيقات والمواقع، بما يسهم في حفظ حقوق الآخرين وعدم التعدي عليها، ومن ثمّ الحفاظ على المجتمع وتماسكه.

ويظهر ذلك بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (5) لسنة 2012 بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقد جاءت مواده المختلفة متضمنة عقوبات مشدّدة تحمي حياة مستخدمي مواقع التواصل وحرماتهم وخصوصياتهم.

ولا شك في أن استخدام الرموز أو ما يعرف ب«الإيموجي» يقع تحت طائلة المسؤولية القانونية أيضاً، وفي حال استخدامها بهدف التجريح والقذف والسب أو احتوائها على أشكال وإشارات خارجة، ولها ايحاءات مسيئة، فإن لذلك تبعات قانونية.

وقال: أنبّه إلى أن المادة 20 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، تضع عقوبات رادعة على السبّ أو استخدام ألفاظ أو رموز كالإيموجي، لجعل شخص محل ازدراء الآخرين.

وتنص هذه المادة على أنه «مع عدم الإخلال بأحكام جريمة القذف المقررة في الشريعة الإسلامية، يعاقب بالحبس، والغرامة التي لا تقلّ عن مئتين وخمسين ألف درهم ولا تجاوز خمسمئة ألف درهم أو بإحداهما، كل من سبّ الغير أو أسند إليه واقعة تجعله محلاً للعقاب أو ازدراء الآخرين، وذلك باستخدام شبكة معلوماتية، أو وسيلة تقنية معلومات.

فإذا وقع السب أو القذف في حق موظف عام، أو مكلف خدمة عامة، بمناسبة تأدية عمله، عدّ ذلك ظرفاً مشدداً للجريمة.

ثقافات مختلفة

وتوضح هبة عبد الرحمن، مستشارة تربوية، أن الرموز التعبيرية «الإيموجي»، عبر مواقع التواصل، في بعض الأحيان يستغلها بعضهم في التعبير عن شعوره للآخر، ويريد أن يرسل رسالة معينة قد تفهم خطأ، وقد تصل لدرجة التقاضي بأن يفسرها بعضهم، بأنها إيحاءات جنسية أو سلوكية، ويعدّ هذا من الموضوعات المهمة، خاصة أن الجميع صغاراً وكباراً، يستخدمون تلك الرموز التعبيرية لأسباب عدّة، منها قوة تأثيرها على الآخرين، وتعزيز الرسالة، وإبرازها بصورة خاصة.

2

هبة محمد عبدالرحمن

ولكننا معاً نبحث في طبيعة الأشخاص، على اختلاف أعمارهم، فما يتضح لنا، أن لتلك الرموز ثقافة خاصة مختلفة بين الشعوب، ولها عادات وقيم وثوابت مختلفة؛ ففي مجتمع الغرب، استخدام بعض الكلمات وما يعقبها من رموز تعبيرية، تبيّن علامات الحب بين الجنسين مقبولة، ولكن في مجتمعاتنا العربية يختلف الوضع، حتى ولو كانوا زملاء في العمل، وقد يراها بعضهم، أنها مجرد اختزال للمشاعر لدى الشخص المرسل.

وتشير المستشارة هبة، الى أن طبيعة هذه الرموز التعبيرية، جاءت لتكمل الصورة البصرية للإنسان، حيث الصورة تدعم الجانب اللفظي، ولكن قد يساء استخدامها من بعضهم، بحيث لا تتناسب مع مكانة الشخص أو عمره أو جنسه؛ فالرموز التعبيرية مهمة، ولكن لا بدّ أن تكون مناسبة للمتلقي، فاللغة الهيروغليفية (المصرية القديمة)، كانت تستخدم كتابة رمزية وحروفاً تشبه في فكرتها الآن «الإيموجي»، كأنها تخلصنا من الكتابة المجردة. وإذا جاز القول إنها اختزال بالصورة، لما نريد قوله وهذا ما أكدته فصلية «الممارسات اللغوية الأكاديمية».

ومن أسباب شيوع تلك الرموز التعبيرية، سهولة التعبير عما تعجز عنه الكلمات، أي إكمال المعنى الناقص، فضلاً عن أنها متوافرة بأشكال متعددة في المنصات الإعلامية، ولكن يحتاج منا الأمر إلى الاختيار الصائب، حتى لا نقع في المحظور، وتفهم رسائلنا بطريقة غير مناسبة، يستهجنها الطرف الاخر، فضلاً عن أن بعد العاطفة والمشاعر الإنسانية عن لغة التواصل الإلكتروني التي تتّسم بالجفاء، جعل لاستخدام تلك الرموز أهمية، لكنّ يجب أن تكون بقدر معتدل، لا يلغي التواصل اللغوي، ويهدد اللغة لا سيما في المجتمعات العربية. كما أنه في بعض الأحيان تهدد طبيعة العلاقات الاجتماعية بالردّ، بتلك الرموز أو إنهاء الحوار.

نتائج كارثية

ويقول التربوي سعيد نوري، إن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، فإذا استخدمت بطريقة صحيحة، فهي تخدم فئات المجتمع العمرية المختلفة، ولكن إذا أسيئ استخدامها، فهي كالنار في الهشيم، تترك آثاراً سلبية، قد يصعب أن تلتئم فيما بعد. وكذلك الرموز التعبيرية، كالرصاصة لا تعود، فنحن في عصر تسارع التكنولوجيا والمعلومات، وكل شيء جديد يكون عندك، ولهذا يجب أن نكون حذرين في التعامل مع التكنولوجيا، لأن أي لفظ سواء كان في شكل تعبيري أو لفظي، قد يسأل عنه المرسل قانونياً.

2

سعيد نوري

ولهذا الموضوع جوانب عدة، أولاً: يجب أن تكون هنالك توعية مجتمعية بالوسائط المختلفة، ووسائل الإعلام، تعطي طلابها أخلاقيات التعامل مع الآخرين، وتبدأ التوعية في المنزل، فهو اللبنة التي يشيّد عليها البنيان. وإذا ارتفعت وتيرة الوعي داخل الأسرة، في استخدام التكنولوجيا تقلّ مخاطرها، وكل ما كانت هنالك توعية من الأب والأم لأولادهما، كان الأمر تحت السيطرة، ولكن إذا كان الأب والأم غير واعيين لخطورة الأمر، فهذا يورث في الأبناء استخدام آليات التكنولوجيا، من دون وعي، ويخدش الحياء ولا تحمد عقباها.

موجهات عامة

ويضع التربوي ناصرالعدني، عدداً من المحددات في استخدام الرموز التعبيرية، منها أن يتجنّب الشخص استخدامها في الاتصالات مع الناس غير المألوفين بالنسبة له، لأن الإكثار من استخدامها، يمكن أن يترك انطباعاً لدى الآخرين بأنك لا تأخذ الأشياء بجدية، ويجب على مستخدمي الرموز، أن يعلموا حقيقة معنى الرمزالتعبيري، والوقت المناسب لاستخدامه، لأن بعض الرموز يمكن أن تعني أشياء مختلفة، أو يمكن أن يساء تفسيرها.

واستخدام الرموز التعبيرية، بدل الكلمات، من شأنه أن يؤثر وبشكل كبير في استخدام اللغة الصحيحة في التواصل مع الآخرين، وهذا يهمّش اللغة، ويحد من استخداماتها الفطرية التي جُبل الإنسان على ممارستها.

وإذا استمرت بنا الحال على هذه الوتيرة، فهذا الأمر لا ينبئ بالخير، وإنما سيؤثر تأثيراً سلبياً في الأجيال القادمة، ويشلّ إبداعاتها اللغوية التي تعدّ أساس نهضة الأمم والحضارات واستدامتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى